عمر السهروردي

140

عوارف المعارف

ثم لما علم منه الصدق ، ورأى حاجته إلى من ينتفع به ، ساق إليه بعض الصديقين حتى أيده بلطفه ولفظه ، وتداركه بلحظه ولقحه وبقوة حاله ، وكفاه يسير الصحبة لكمال الأهلية في الصاحب والمصحوب ، وإجراء سنة اللّه تعالى في إعطاء الأسباب حقها لإقامة رسم الحكمة ، يحوج إلى يسير الصحبة ، فيتنبه بالقليل للكثير ، ويغنيه اليسير من الصحبة عن اللحظ الكثير ، ويكتفي بوافر حظ الاستبصار عن الأسفار ، ويتعوض بأشعة الأنوار عن مطالعة العبر والآثار ، كما قال بعضهم : الناس يقولون : افتحوا أعينكم وأبصروا ، وأنا أقول : أغمضوا أعينكم وأبصروا . وسمعت بعض الصالحين يقول : للّه عباد طور سيناهم ركبهم ، تكون رؤوسهم على ركبهم ، وهم في مجال القرب ، فمن نبع له معين الحياة في ظلمة خلوته ، فماذا يصنع بدخول الظلمات ، ومن اندرجت له أطباق السماوات في طي شهوده ما ذا يصنع بتقلب طرفه في السماوات ، ومن جمعت أحداق بصيرته متفرقات الكائنات ما ذا يستفيد من طي الفلوات ، ومن خلص بخاصية فطرته إلى مجمع الأرواح ما ذا تفيده زيارة الأشباح . قيل : أرسل ذو النون المصري إلى أبي يزيد رجلا وقال قل له : إلى متى هذا النوم والراحة وقد سارت القافلة ؟ فقال للرسول : قل لأخي : الرجل من ينم الليل كله ثم يصح في المنزل قبل القافلة ، فقال ذو النون : هنيئا له ، هذا كلام لا تبلغه أحوالنا . وكان بشر يقول : يا معشر الفقراء سيحوا تطيبوا ، فإن الماء إذا كثر مكثه في موضع تغير . وقيل : قال بعضهم عند هذا الكلام : صر بحرا حتى لا تتغير ، فإذا أدام المريد سير الباطن بقطع مسافة النفس الامارة بالسوء حتى قطع منازل آفاتها ، وبدل أخلاقها المذمومة بالمحمودة ، وعانق الإقبال على اللّه تعالى بالصدق والإخلاص ، اجتمع له المتفرقات ، واستفاد في حضره أكثر من